محمد بن علي الشوكاني

5138

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

لذلك البحث من قولي : الدليل الثاني عشر ما استنبطه الأمير الحسين . . . إلى أن قلت حاكيًا لكلامهم : ولا مخصص للحجاز عن سائر البلاد إلا أن رعاية المصلحة في إخراجهم منه إلخ . ثم قلت : ولا شك أن امتناعهم من القيام بهذه العهدة التي هي رأس المصالح قادح في جواز التقرير ، قادح لأن الأمير ومن معه قد جعلوا مستند التقرير المصلحة ، وهذا واضح لا إشكال فيه ، فكيف يقال لا يجوز القدح فيما أمر به النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ! على أنا قد أسلفنا أحاديث الجزية مقيدة بالصغار بنص القرآن ، ثم نقول : قد تعقب عقد الذمة الذي ذكرتم ما صح عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من قوله عند موته ، وكان آخر كلامه ، كما في بعض الروايات : " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " ( 1 ) ونحوه ؛ فهو ناسخ لتقريرهم منها بالجزية ، للقطع بتأخر القول عن التقرير فلا تقرير ، فلا قدح ، فتدبروا . قال : قد عرفت أن حفر الخندق إنما كان للحاجة الماسة إلى ذلك ، من حفظ النفس والدين معًا إلى آخر البحث . أقول : هذا كلام رصين ، لكنه - حفظه الله - جرد بالنظر إلى تفاوت المصلحتين ، وجعله مانعًا من الإلحاق ، ولم يمش على ذلك في إلحاقه للالتقاط بالتسميد ، بل بسائر الحرف الجائزة ، فليعمل بما حرره هاهنا ولينصف . وأما نحن فنقول : ليصحح ذلك الاستدلال [ 22 ] ، هل كان ما يتوقعه المسلمون من الكفار عند حفر الخندق من دخول المدينة ، وهلاك النفوس ، وهتك الحرم معلومًا لهم أم مظنونًا ؟ الأول باطل لا يقول به عاقل ، والثاني يوجب رجحان المصلحة التي نحن بصددها على تلك المصلحة ؛ لأنها وإن نقصت عن تلك بذلك الاعتبار ، فقد رفع من شأنها كونها معلومة . ثم نقول ثانيًا : أنتم لا تنكرون أنما نحن بصدده مصلحة واقعة ، وتلك التي حفر الخندق من أجلها لم تقع إذ

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .